الشوكاني

228

فتح القدير

التي أرسلنا إليها رسلنا ( آمنوا ) بالرسل المرسلين إليهم ( واتقوا ) ما صمموا عليه من الكفر ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح ( لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) أي يسرنا لهم خير السماء والأرض كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها ، قيل المراد بخير السماء : المطر ، وخير الأرض النبات ، والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك ، ويجوز أن تكون اللام في القرى للجنس ، والمراد : لو أن أهل القرى أين كانوا وفى أي بلاد سكنوا آمنوا واتقوا إلى آخر الآية ( ولكن كذبوا ) بالآيات والأنبياء ولم يؤمنوا ولا اتقوا ( فأخذناهم ) بالعذاب ( ب‍ ) سبب ( ما كانوا يكسبون ) من الذنوب الموجبة لعذابهم ، والاستفهام في ( أفأمن أهل القرى ) للتقريع والتوبيخ ، وأهل القرى هم أهل القرى المذكورة قبله ، والفاء للعطف ، وهو مثل - أفحكم الجاهلية يبغون - ، وقيل المراد بالقرى مكة وما حولها لتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والحمل على العموم أولى . قوله ( أن يأتيهم بأسنا بياتا ) أي وقت بيات ، وهو الليل على أنه منصوب على الظرفية ، ويجوز أن يكون مصدرا : بمعنى تبيتا ، أو مصدرا في موضع الحال : أي مبيتين ، وجملة ( وهم نائمون ) في محل نصب على الحال ، والاستفهام في ( أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ) كالاستفهام الذي قبله ، والضحى ضحوة النهار ، وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت . قرأ ابن عامر والحرميان ( أو أمن ) بإسكان الواو وقرأ الباقون بفتحها ، وجملة ( وهم يلعبون ) في محل نصب على الحال : أي يشتغلون بما لا يعود عليهم بفائدة ، والاستفهام في ( أفأمنوا مكر الله ) للتقريع والتوبيخ وإنكار ما هم عليه من أمان مالا يؤمن من مكر الله بهم وعقوبته لهم ، وفى تكرير هذا الاستفهام زيادة تقرير لإنكار ما أنكره عليهم ، ثم بين حال من أمن مكر الله ، فقال ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) أي الذين أفرطوا في الخسران ، ووقعوا في وعيده الشديد ، وقيل مكر الله هنا هو استدراجه بالنعمة والصحة . والأولى حمله على ما هو أعم من ذلك . قوله ( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) قرئ " نهد " بالنون وبالتحتية فعلى القراءة بالنون يكون فاعل الفعل هو الله سبحانه ومفعول الفعل ( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) أي أن الشأن هو هذا ، وعلى القراءة بالتحتية يكون فاعل يهد هو ( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) أي أخذناهم بكفرهم وتكذيبهم ، والهداية هنا بمعنى التبيين ، ولهذا عديت باللام . قوله ( ونطبع على قلوبهم ) أي ونحن نطبع على قلوبهم على الاستئناف ولا يصح عطفه على أصبنا لأنهم ممن طبع الله على قلبه لعدم قبولهم للإيمان ، وقيل هو معطوف على فعل مقدر دل عليه الكلام ، كأنه قيل يغفلون عن الهداية ونطبع ، وقيل معطوف على يرثون قوله ( فهم لا يسمعون ) جواب لو : أي صاروا بسبب إصابتنا لهم بذنوبهم والطبع على قلوبهم لا يسمعون ما يتلوه عليهم من أرسله الله إليهم من الوعظ والإعذار والإنذار . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ثم بدلناه أي مكان السيئة الحسنة ) قال مكان الشدة الرخاء ( حتى عفوا ) قال : كثروا وكثرت أموالهم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( حتى عفوا ) قال : جموا . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( قد مس آباءنا الضراء والسراء ) قال : قالوا قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئا ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) . وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم عنه في قوله ( ولو أن أهل القرى آمنوا ) قال : بما أنزل الله ( واتقوا ) قال : ما حرمه الله ( لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) يقول : أعطتهم السماء بركتها والأرض نباتها . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة عن موسى الطائفي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أكرموا الخبز فإن الله